فخر الدين الرازي

314

الأربعين في أصول الدين

أليس أنه انفرد أحد الإلهين ، لصح منه ايجاد الحركة . ولو انفرد الثاني لصح منه ايجاد السكون . ثم إنهما لما اجتمعا تعذر على كل واحد منهما ايجاد ما لم يكن متعذرا عليه وقت الانفراد ؟ وإذا كان الحال كذلك في القدرتين ، فلم لا يجوز مثله في الإرادتين ؟ سلمنا : أن ما ذكرتم يدل على جواز المخالفة بينهما ، لكن معنا ما يدل على أن مع القول بوجود الإلهين ، يمتنع وقوع المخالفة بينهما . وهو من وجهين : أحدهما : هو انا لو فرضنا إلهين ، لوجب كون كل واحد منها حكيما . والحكيم هو الّذي لا يفعل الا الأفضل والأولى . ولا شك أن الأفضل والأولى في كل شيء واحد . وإذا كان كذلك ، كان كل واحد منهما لكونه حكيما ، لا يريد الا ذلك الوجه الواحد . وإذا كان الأمر كذلك ، امتنع وقوع المخالفة بينهما . الوجه الثاني : هو أن كل واحد منهما ، لما كان إلها ، وجب أن يكون كل واحد منهما عالما بكل المعلومات . وكان كل واحد منهما عالما بأن أي المعلومات يقع ؟ وأيها لا يقع ؟ وإرادة ما علم أنه لا يقع يكون محالا . وإذا كان الشيء الّذي هو معلوم الوقوع ، ليس الا الواحد ، ويستحيل أن يريد الا ما كان معلوم الوقوع ، وجب أن يكون كل واحد منهما مريدا لوقوع شيء واحد بعينه . وعلى هذا التقدير فإنه يمتنع وقوع المخالفة بينهما . سلمنا : أنه يصح وقوع المخالفة بينهما ، لكن المحالات التي الزمتمونا انما تلزم من وقوع المخالفة ، لا من صحة المخالفة . فلما لم تثبتوا أن هذه المخالفة لا بد وأن تحصل وتدخل في الوجود ، لا يمكنكم أن تلزموا علينا تلك المحالات . فأنتم وأن